يعود طفلك من المدرسة متحمسًا ليخبرك بما قاله معلمه، أو يطلب منك شراء شيء لأن أصدقاءه جميعًا يمتلكونه، أو يرفض نصيحة منك ثم يقبل النصيحة نفسها عندما يسمعها من شخص آخر.
مع تكرار هذه المواقف يبدأ سؤال في الظهور: هل أصبحت المدرسة والأصدقاء أكثر تأثيرًا في طفلي مني؟
هذا القلق مفهوم، خاصة عندما يعيش الطفل في مجتمع تختلف بعض قيمه وأفكاره عما يتعلمه داخل أسرته المسلمة. فالطفل يقضي ساعات طويلة في المدرسة، ويتعامل يوميًا مع معلمين وأصدقاء وشخصيات يراها في المحتوى الذي يتابعه. وكل واحد من هؤلاء قد يترك أثرًا في لغته واهتماماته وطريقة تفكيره.
لكن ظهور تأثير الآخرين لا يعني أن دورك انتهى، ولا يعني أن طفلك لم يعد يحتاج إليك. في السنوات المبكرة يتسع عالم الطفل ويزداد اهتمامه بالصداقات والانتماء إلى المجموعة، لكنه يظل في حاجة إلى والديه ليشعر بالأمان، ويفهم نفسه، ويعرف كيف يميز بين الصواب والخطأ.
المشكلة إذن ليست أن هناك أشخاصًا آخرين يؤثرون في طفلك. فهذا جزء طبيعي من نموه. المشكلة تبدأ عندما تضعف العلاقة التي تجعله يعود إليك ليفهم ما يسمعه ويراه.
فكيف تعرف أن تأثيرك بدأ يضعف؟ ولماذا يمنح الطفل ثقته لبعض الأشخاص أكثر من غيرهم؟ وكيف تستطيع استعادة دورك دون مراقبة زائدة أو أوامر لا تنتهي؟
هذا ماسنتحدث عنه في هذا المقال!
تصبح الصداقات أكثر أهمية خلال سنوات المدرسة، لأن الطفل يبدأ في اكتشاف مكانه بين الآخرين، ومقارنة نفسه بهم، وتكوين صورة مستقلة عن شخصيته. ولهذا تؤكد الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أن التواصل المفتوح ومشاركة الوالدين منذ السنوات الأولى يمهدان لحوارات أعمق مع الطفل حول أصدقائه فيما بعد.
ويتشكل تأثير شخص ما في طفلك غالبًا من خلال أربعة أمور:
قد يحب الوالدان طفلهما ويحرصان على تربيته، ومع ذلك يرتكبان بعض الأخطاء التي تدفعه إلى البحث عن القبول والتوجيه في مكان آخر.
يحكي طفلك موقفًا حدث مع صديقه، فتبدأ فورًا في بيان خطئه وما كان يجب أن يفعله. ومع تكرار ذلك، يتعلم الطفل أن الحديث معك يعني الحصول على محاضرة، فيتوقف تدريجيًا عن الحكي.
أحيانًا لا يحتاج الطفل إلى حل مباشر، بل إلى أن تقول له: «أفهم لماذا شعرت بالحزن»، ثم تترك له مساحة ليكمل كلامه.
قد يبدو لك سبب حزنه بسيطًا، لكنه ليس بسيطًا بالنسبة إليه. عندما تقول: «هذا لا يستحق البكاء» أو «لا تكن حساسًا»، فأنت لا تزيل مشاعره، بل تعلمه أن يخفيها عنك.
عندما تقول لطفلك: «صديقك سيئ»، فقد يشعر أنك تهاجم اختياره أو شخصًا يحبه، فيدافع عنه ويخفي عنك ما يحدث بينهما.
الأفضل أن تناقش التصرف نفسه: «ما فعله صديقك ليس صحيحًا، فما رأيك أنت؟» بهذه الطريقة تعلم طفلك التفكير بدل أن تطلب منه الطاعة دون فهم.
من الصعب أن تطلب من طفلك ترك الهاتف أثناء حديثك، بينما تنظر أنت إلى هاتفك باستمرار. ومن الصعب أن تطلب منه الصدق، ثم يراك يكذب للخروج من موقف بسيط.
القدوة الصادقة تجعل كلمات قليلة منك أبلغ من محاضرات طويلة.
قد تساعد المدرسة الإسلامية أو معلم القرآن في تربية طفلك، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المنزل. فإذا صار الدين مجرد دروسًا منفصلة عن حياته اليومية، فسيظل تأثيرها محدودًا.
استعادة تأثيرك لا تبدأ بفرض مزيد من السيطرة، بل ببناء علاقة تجعل طفلك يريد أن يسمع منك ويعود إليك.
خصص من عشر إلى خمس عشرة دقيقة يكون فيها طفلك محور اهتمامك. العب معه، أو اقرأ له، أو تحدثا قبل النوم.
لا تستخدم هذا الوقت للسؤال عن الواجبات أو توجيه الملاحظات. الهدف أن يشعر الطفل بأن وجوده معك ممتع، وليس مرتبطًا دائمًا بالمحاسبة.
عندما يخبرك طفلك بموقف، لا تتعجل الحكم. اسأله:
هذه الأسئلة تعلمه فهم مشاعره، وتجعلك الشخص الذي يلجأ إليه عندما يواجه موقفًا أصعب.
اعرف أسماء أصدقائه وما يحبه فيهم، وتواصل مع معلميه، وتعرف إلى الأنشطة والمحتوى الذي يهتم به.
لا تفعل ذلك بطريقة التحقيق، بل بدافع المشاركة. يمكنك دعوة أصدقائه إلى المنزل، أو توصيله إلى نشاطه، أو سؤاله عن لعبة يحبها. كلما دخلت عالمه باحترام، أصبحت أكثر قدرة على توجيهه من داخله.
بدل أن تقول: «لا تفعل هذا لأنني قلت لك»، اشرح له السبب بما يناسب عمره، ثم ناقش معه الموقف.
إذا دعاه أصدقاؤه إلى شيء يخالف دينه، ساعده على إعداد رد بسيط وواثق، مثل: «أنا لا أفعل ذلك، لكن يمكننا اختيار شيء آخر». ويمكنكما تمثيل الموقف في المنزل حتى تصبح كلماته أسهل عندما يحتاج إليها.
القرب من طفلك لا يعني أن توافق على كل ما يريده. الطفل يحتاج إلى حدود تحميه، لكنه يحتاج أيضًا إلى فهمها.
حدد قواعد الأسرة المتعلقة بالشاشات، والصداقات، والمحتوى، والواجبات، واشرح سببها. ثم طبقها بثبات وهدوء، دون تغييرها بحسب مزاجك.
وعندما يخطئ طفلك، افصل بين الخطأ وشخصه. قل له: «هذا التصرف غير مقبول»، بدل أن تقول: «أنت طفل سيئ».
قد لا يظهر أثر ما تزرعه اليوم فورًا، لكن كل حوار هادئ، وكل موقف صادق، وكل لحظة تجمعه فيها بالقرآن ودينه، تبني داخله مرجعًا يعود إليه عندما يحتار.
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾.
وتبدأ هذه الرعاية من علاقة قوية، لكنها تحتاج أيضًا إلى منهج واضح يساعد الطفل على فهم دينه والارتباط به.
الخبر الجيد أن هناك طرقًا مثبتة وفعالة لتعليم الأطفال الدين والقيم بطريقة محببة وممتعة. طرق تبني شخصية قوية، واثقة، متمسكة بهويتها الإسلامية حتى وهي تعيش في بيئة غير إسلامية.
في رتل، نوفر منهجًا متكاملًا لتعليم القرآن واللغة العربية والعلم الشرعي بطريقة تفاعلية وممتعة، صُمم خصيصًا لأطفال الجيل الجديد الذين يعيشون في المجتمعات الغربية.
يمكنك حجز حصتين مجانيتين اليوم لتتعرف على طريقة التعليم بنفسك دون أي التزام.
جميع الحقوق محفوظة © مدرسة رتل اونلاين
شارع دير الناحية، شبرا هاوس – مركز طوخ – القليوبية